ابن قيم الجوزية
460
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الدخول . وأما الجنة فإنها دار اللّه ، ودار كرامته ، ومحل خواصه وأوليائه ، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة ، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتتحها ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله ، وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم . فيقول « أنا لها » فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجدا حربه فيدعه ربه ساجدا ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه ، وأن يسأل حاجته ، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها ، فيشفعه ، ويفتحها تعظيما لخاطرها ، وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه ، وأن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة ، التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها ، وما ركبه من الأطباق طبقا بعد طبق ، وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة ، حتى أذن اللّه تعالى لخاتم أنبيائه ورسله ، وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم . وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدّر بخلاف ذلك ، لئلا ينوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء . فجنة اللّه عالية غالية ، وبين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلّا به . فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني ولهذه الدار ؟ فليعد عنها إلى ما أولى به . وقد خلق له وهيئ له . وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمرا : من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم ، كل زمرة على حدة ، كمشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم ، مستبشرين أقوياء القلوب ، كما كانوا في الدنيا وقت إجماعهم على الخير كذلك يؤنس بعضهم بعضا ، ويفرح بعضهم ببعض . وكذلك أصحاب الدار الأخرى : النار يساقون إليها زمرا يلعن بعضهم بعضا ، ويتأذى بعضهم ببعض . وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهتيكة . من أن يساقوا واحدا واحدا . فلا تهمل وتدبر قوله : زُمَراً وقول خزنة الجنة لأهلها « سَلامٌ